ابن أبي الحديد
129
شرح نهج البلاغة
فضل الملك على السوقة إلا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم ، فإن الملك إذا شاء أحسن ، وليس كذلك السوقة . واعلموا أن لكل ملك بطانة ، ولكل رجل من بطانته بطانه ، ثم إن لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة ، حتى يجتمع من ذلك أهل المملكة ، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب فيهم ، أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامه الرعية . احذروا بابا واحدا طالما أمنته فضرني ، وحذرته فنفعني احذروا إفشاء السر بحضرة الصغار من أهليكم وخدمكم ، فإنه ليس يصغر واحد منهم عن حمل ذلك السر كاملا ، لا يترك منه شيئا حتى يضعه حيث تكرهون إما سقطا أو غشا . واعلموا أن في الرعية صنفا أتوا الملك من قبل النصائح له ، والتمسوا إصلاح منازلهم بإفساد منازل الناس ، فأولئك أعداء الناس وأعداء الملوك ، ومن عادى الملوك والناس كلهم فقد عادى نفسه . واعلموا أن الدهر حاملكم على طبقات ، فمنها حال السخاء حتى يدنو أحدكم من السرف ، ومنها حال التبذير حتى يدنو من البخل ، ومنها حال الأناة حتى يدنو من البلادة ومنها حال انتهاز الفرصة حتى يدنو من الخفة ، ومنها حال الطلاقة في اللسان حتى يدنو من الهذر ، ومنها حال الاخذ بحكمة ( 1 ) الصمت حتى يدنو من العي ، فالملك منكم جدير أن يبلغ من كل طبقه في محاسنها حدها ، فإذا وقف عليه ألجم نفسه عما وراءها . واعلموا أن ابن الملك وأخاه ابن عمه يقول : كدت أن أكون ملكا ، وبالحرى ألا أموت حتى أكون ملكا ، فإذا قال ذلك قال ما لا يسر الملك ، وإن كتمه فالداء .
--> ( 1 ) الحكمة في الأصل : اللجام ، والكلام على الاستعارة